روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

432

عرائس البيان في حقائق القرآن

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ : خصّ حبيبه بالخطاب ، وجمع الكل في مضمونه ؛ لأن السيد إذا خاطب خاطب الكل ، فبان شرفه على الجمهور ؛ إذ جمع الجمع في اسمه ، وفيه إشارة الاتحاد ، ومراد الحق سبحانه في تأديب العباد بتطليق نسائهم في زمان الطهر أداء وفاء الصحبة ، ومراعاة ما مضى من زماني الوصلة والاهتمام بالفرقة . قوله تعالى : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ : إن اللّه حدّ الحدود بأوامره ونواهيه ؛ لنجاة سلاكها ، فإذا تجاوز عن حدوده يسقطون عن طريق الحق ، ويضلون في ظلمات البعد ، وهذا أعظم الظلم على النفوس ؛ إذ منعوها من وصولها إلى الدرجات والقربات . قال إسماعيل بن نجيد : التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالأمر . قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ تفسيره بلسان الإشارة أن العارف الصادق الشاهد جلال الحق تبقى منه بألا يصل إليه ؛ لأن نعوته الأزلية ممتنعة من مطالعة الخليقة ، فيتقيه من فقدانه ، فهو تعالى إذا رآه في يأس من الوصول إلى القدم ألبسه نعوته ، وأوصله إليه به ، وذلك ما جعل له مخرجا مما فيه من خوف الفقدان ، ويرزقه ذوق الدنو من حيث لا يحتسب إنه يستحق ؛ لذلك فهو تعالى محمود الكرم لا يخيّب رجاء القاصدين إليه ، ثم بيّن أن من ألقى زمام الإرادة لإرادته في طلبه ويطرح من بين يديه ويعتمد بقوله عليه فهو تعالى يكفي له مأموله منه ، ويرضيه بنفسه من نفسه بحيث يستكمل العبد مراده منه ، وذلك قوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ، ومن أدقّ الإشارة أن اللّه سبحانه يقول : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ، ولم يقل « ومن يتق من عذابه » ، أو « يتق من شيء دون نفسه » ، فخصّ التقوى أن يكون من نفسه خاصة ، وذلك إذا كان يتجلى بجلاله